الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

256

مختصر الامثل

في مجادلتهم ، لأنّ الكلام في هذه الحالة لا تأثير له وما عليك إلّاأن تبلّغ الرسالة لا غير : « وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلغُ » . ومن الواضح أنّ المراد ليس هو التسليم اللّساني والادعائي ، بل التسليم الحقيقي والعملي في مقابل الحق . وفي الختام يقول : « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ » . فهو سبحانه يعلم المدعي من الصادق وكذلك اغراض ودوافع المتحاجّين ، ويرى أعمالهم الحسنة والقبيحة ويجازي كل شخص بعمله . يتّضح من هذه الآية بكل جلاء أنّ أسلوب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لم يكن أسلوب فرض الفكرة والعقيدة ، بل كان أسلوبه السعي إلى توضيح الحقائق أمام الناس ثم يتركهم وشأنهم لكي يتخذوا قرارهم في اتّباع الحق بأنفسهم . إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 22 ) تعقيباً للآية السابقة التي تضمّنت أنّ اليهود والنصارى والمشركين كانوا يجادلون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولا يستسلمون للحق ، ففي الآية الأولى إشارة إلى بعض علامات هذا الأمر حيث تقول الآية : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ » . وتشير هذه الآية في البداية إلى ثلاث ذنوب كبيرة وهي الكفر بآيات اللَّه وقتل الأنبياء بغير الحق وقتل الذين يدعون إلى العدالة ويدافعون عن أهداف الأنبياء ، وكل واحد من هذه الذنوب يكفي لوحده لجعل الإنسان معانداً ومتصلّباً بكفره وعدم تسليمه للحق ، بل يسعى لخنق كل صوت يدعو إلى الحق . ثم إنّ الآية تشير إلى ثلاثة عقوبات مترتّبة على ارتكاب هذه الذنوب ، ففي البداية تشير الآية : « فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ » . ثم تقول : « أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ » فلو فرض أنّهم عملوا بعض الأعمال الصالحة فإنّها ستمحى وتزول بسبب الذنوب الكبيرة التي يرتكبونها .